أحمد بن محمد المقري التلمساني

296

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

السفر ، فشقّ ذلك عليه ، وكلّفه تحريك الحديث بحضرته ، وجرى ذلك ، فقال الشيخ : أنا كالدم بطبعي أتحرك في كل ربيع ؛ انتهى . وقال ابن خاتمة في « مزية « 1 » المرية ، على غيرها من البلاد الأندلسية » : إنه نظم في الوزير ابن الحكيم القصائد التي حليت بها لبّات « 2 » الآفاق ، وتنفّست عنها صدور الرفاق ، وكان من فحول الشعراء ، وأعلام البلغاء ، يرتكب « 3 » مستصعبات القوافي ، ويطير في القريض مطار ذي « 4 » القوادم الباسقة والخوافي ، حافظا لأشعار العرب وأخبارها ، وله مشاركة في العقليات ، واستشراف على الطلب ، وقعد لإقراء العربية بحضرة غرناطة ، ومال بأخرة إلى التصوّف والتجوال ، والتحلّي بحسن السّمت وعدم الاسترسال ، بعد طيّ بساط ما فرط له من بلده من الأحوال . وكان صنع اليدين ، حدّثني بعض من لقيت من الشيوخ أنه صنع قدحا من الشمع على أبدع ما يكون في شكله ولطافة جوهره وإتقان صنعته ، وكتب بدائر « 5 » شفته : [ الطويل ] وما كنت إلّا زهرة في حديقة * تبسّم عنّي ضاحكات الكمائم فقلّبت من طور لطور فها أنا * أقبّل أفواه الملوك الأعاظم وأهداه خدمة للوزير أبي عبد بن الحكيم « 6 » . وأنشدنا شيخنا القاضي أبو البركات ابن الحاج وحكى لنا قال : أنشدني أبو عبد اللّه بن خميس ، وحكى لي ، قال : لما وقفت على الجزء الذي ألّفه ابن سبعين وسمّاه ب « الفقيرية » كتبت على ظهره : [ البسيط ] الفقر عندي لفظ دقّ معناه * من رامه من ذوي الغايات عنّاه « 7 » كم من غبيّ بعيد عن تصوّره * أراد كشف معمّاه فعمّاه « 8 »

--> ( 1 ) المزية : الفضيلة من علم أو كرم أو شجاعة أو شرف ونحو ذلك مما يمتاز به الإنسان . ويقال له عليه مزية ، ولا يبنى منه فعل . ( 2 ) اللبات : الأعناق . ( 3 ) في ب « وأعلام البلغاء ، يصرف العويض ، ويرتكب . . » . ( 4 ) مطار : مصدر ميمي من الفعل طار ، أي طيران . ( 5 ) في ب « كتب بدائر شفته » . ( 6 ) في ب « أبي عبد اللّه بن الحكم » . ( 7 ) عناه - بتشديد النون - أورثه العناء ، وهو الجهد والتعب والمشقة . ( 8 ) المعمى من الكلام : ما غمض معناه .